تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الاضطراب النفسي الأكثر شيوعًا وانتشارًا في العالم هو القلق و عدد المصابين به عالميًا 359 مليون شخص!!
نحن جميعًا نشعر بالقلق؛ لأنه شعور طبيعي عند الإنسان، يظهر عندما نذهب إلى الامتحان أو مقابلة شخصية أو في أي موقف مصيري، ولكن يوجد أشخاص يعطلهم القلق عن ممارسة حياتهم بشكل طبيعي، فيخافون بشكل مبالغ فيه ودائمًا يتوقعون الأسوأ. مجرد خبر حزين أو موقف بسيط قادر على أن يجعلهم خائفين طوال اليوم. يوجد أشخاص من حولنا غير قادرين على النوم أو الأكل بشكل طبيعي بسبب القلق! أصبح القلق مشكلة العصر الحالي لدى الكثير من الناس.
لكن كيف نفرق بين القلق الطبيعي والمفرط؟ وكيف يؤثر في جودة حياتنا؟ وما أسبابه من الأساس؟ وكيف نقلل من تأثيره علينا؟ هذا ما سنتعرف عليه في هذا المقال.
أولًا: ما هو القلق بشكل عام
القلق هو أحد أكثر المشاعر الإنسانية شيوعًا، و يظهر كرد فعل واضح ومباشر لموقف ضاغط، هو يتمثل في الشعور بعدم الارتياح بسبب توقع موقف سلبي أو الخوف من الفشل، أحيانًا يكون القلق محفز إيجابي و لكن إذا زاد عن الحد أصبح سلبي ومؤذي.
الحكم الفاصل على القلق إذا كان إيجابي أو سلبي هو مستويات القلق:
مستوى منخفض: أقل مستويات القلق حدة وهذا المستوى مرتبط بأحداث الحياة اليومية ولا يؤثر سلبًا على الأداء اليومي، وفي هذه الحالة يكون إيجابي؛ لأنه يجعل الفرد أكثر يقظة و تركيزًا.
المستوى المتوسط: قلق ملحوظ و صعوبة في التركيز، أعراض أكثر استمرارًا من المستوى المنخفض.
مستوى المرتفع: قلق مفرط و مستمر يصعب التحكم فيه، هذا المستوى خطر جدًا؛ يبدأ ظهور أعراض منهكة مثل ألم الصدر أو زيادة معدل ضربات القلب، و صعوبة بالغة في الاسترخاء أو النوم.
ثانيًا: الفرق بين قلق طبيعي و قلق مفرط
القلق الطبيعي: هو استجابة نفسية عضوية تحدث في المواقف المهمة مثل الذهاب الامتحان أو عمل مقابلة عمل، قصير المدى يزول بزوال الموقف الضاغط، ويمكن السيطرة عليه.
القلق المفرط غير الطبيعي: حالة من الخوف و القلق الشديد و مستمر بشأن بعض المواقف اليومية، ولكن بشكل متضخم لا يتناسب مع الحدث، و أحيانا تكون بدون سبب واضح، وفقًا للدليل التشخيصي (DSM-5) هو يستمر لمدة 6 أشهر.
ثالثًا: تأثيره على شتى مناحي الحياة و العوامل المؤدية إليه
نفسيًا: يؤدي إلى الكثير من المشاعر السلبية مثل الخوف و التوتر و الضيق، الشعور المستمر بالهلع و الخطر، و إذا أستمر قد يصاحبه الاكتئاب، أيضا سرعة الانفعال و الأرق و تقلبات المزاج.
جسديًا: مثل صعوبة في التنفس، زيادة معدل ضربات القلب مما يؤدي إلى إمكانية الإصابة بزيادة ضغط الدم و الإصابة بأمراض القلب، و التعرق المفرط؛ لزيادة هرمون الأدرينالين بالجسم وارتفاع درجة حرارة الجسم.
آلام المعدة و اضطرابات الجهاز الهضمي مما يؤدي إلى فقدان الشهية و الإصابة بالقولون العصبي، ظهور بعض الأمراض الجلدية مثل الأكزيما، ارتفاع هرمون التوتر مثل الكورتيزول الذي يؤثر في زيادة الوزن بشكل ملحوظ، الشعور بالقلق بشكل متزايد يضعف جهاز المناعة فتكون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض باستمرار.
اجتماعيًا: القلق يلعب دور هام في السلوك الاجتماعي، فأصحاب القلق المرتفع يميلون لتجنب التفاعلات الاجتماعية كالتواصل مع الغرباء و الخجل من التعرف على أشخاص جدد؛ بسبب الخوف من التعرض للنقد، الانطواء و العزلة، ضعف المهارات الاجتماعية مثل التواصل الفعال سواء بالكلام أو بصريًا، تجنب المناسبات أو التجمعات العائلية، الخوف من التعبير عن رأيك أمام الناس.
معرفيًا: يؤثر أيضا على المهارات العقلية مثل الانتباه و التركيز، فكثرة التهديدات المتصورة أو المخاطر المحتملة تدفعك للتركيز المفرط عليها على حساب المهام اليومية لديك، بالتالي صعوبة التركيز في الدراسة أو العمل.
و الذاكرة خاصة قصيرة المدى أو العاملة؛ لأن عندما يشعر الفرد بالقلق ذلك يستنزف الموارد المعرفية مما يؤدي إلى تشتت الذهن و النسيان المستمر.
القدرة على اتخاذ القرارات أيضا، فالقلق يجعلك تضخم المخاطر من حولك مما يؤدي إلى تجنب الموافق المهمة و الهروب منها و ضياع الكثير من الفرص لديك، وأيضا القدرة على حل المشكلات أو المرونة الفكرية تقل؛ بسبب حالة الجمود التي تصاحب الشعور بالقلق.
مهنيًا: التوتر والخوف من مواجهة المشرف أو زملاء العمل، وعدم القدرة على الإبداع والتفنن في العمل، والانسحاب من أي فرصة للسفر بسبب مخاوفه.
أكاديميًا: الخوف المبالغ فيه من الفشل في الدراسة، صعوبة التركيز أثناء المذاكرة، تأجيل عمل المهام بسبب الخوف من عدم إتمامها بشكل مثالي أو كامل، التوتر الشديد أثناء الامتحانات مما يؤثر على استرجاع المعلومات أثناء الامتحان بالتالي يتأثر الأداء الدراسي بشكل كبير.
العوامل المؤدية للقلق:
العوامل الوراثية: في حالة أن عائلتك لها تاريخ مرضي وراثي مع اضطراب القلق ذلك يزيد من احتمالية الاصابة؛ لأن ذلك يجعله ينتقل وراثيًا من جيل إلى آخر.
العوامل النفسية: مثل التجارب السلبية السابقة خاصة في الطفولة.
العوامل البيئية: الضغوط البيئية لها دور كبير سواء الضغوط المباشر مثل فقدان وظيفة أو موت عزيز أو حادث صادم، أما الضغوط غير المباشرة المرتبطة بالصراعات الداخلية بين الرغبة في عمل الشيء وعدم السماح بعمله، أيضا الضغوط اليومية العادية مثل العمل أو الدراسة و الضغوط الحياتية الكبرى مثل فقدان العمل.
العوامل الاجتماعية: المرتبطة بضغوط المجتمع أو الأهل على الأفراد مثل ضغوط النجاح أو الزواج مبكرًا أو العمل في وظيفة مرموقة.
الأدوية: بعض الآثار الجانبية للأدوية تسبب القلق.
نمط الحياة: بعض العادات السيئة تزيد من القلق مثل قلة النوم، الإرهاق، الإفراط في تناول المنبهات.
المرحلة العمرية: يزداد القلق في بعض المراحل العمرية مثل المراهقة و يكون أقل حدة في الشيخوخة.
التغيرات الكيميائية في الدماغ: نقص بعض النواقل العصبية مثل السيرتونين.
رابعًا: كيف يمكن التعامل مع القلق و التقليل من تأثيره؟
هذه بعض النصائح المؤقتة للتقليل من تأثير القلق، ولكن هي لا تغني عن العلاج من القلق أو الذهاب لطبيب.
1- ممارسة الرياضة: الأنشطة البدنية حتى لو بشكل بسيط مثل المشي، تساعد على إفراز هرمونات تقوم بتحسين المزاج مثل الإندروفين.
2- تمارين الاسترخاء و التنفس: يساعد على تهدئة الجهاز العصبي، تكون عن طريق قاعدة 4-7-8، أخذ شهيق في 4 ثوانٍ ثم الانتظار 7 ثوانٍ ثم أخذ الزفير في 8 ثوانٍ، وكرر هذه العملية لمدة دقيقتين.
3- الابتعاد عن السوشيال ميديا: خذ فترات راحة منها خاصة لو كانت مصدر للأخبار السلبية.
4- النوم فترات كافية بشكل منتظم: ذلك يساعد على إعادة شحن الدماغ.
5-تقليل المنبهات مثل الكافيين بكل أنواعه.
6- تجنب تناول الكحوليات و المخدرات و التدخين.
7- تجنب العزلة و تواصل مع الآخرين: لتشتت انتباهك عن الأفكار السلبية.
8- طلب الدعم: سواء من الأهل أو الأصدقاء عن طريق مشاركتهم أفكارك ومشاعرك.
9- التدوين: تدوين الأفكار المقلقة قبل النوم أو في بداية اليوم تساعد تهدئة العقل و تقليل التوتر.
10- تخصيص وقت للراحة و الاستمتاع: ممارسة الهوايات مثل القراءة أو الرسم يقلل من تأثير القلق.
في الختام، القلق ليس دائمًا مؤشرًا على وجود خطر أو اضطراب، فأحيانًا يكون إيجابيًا عندما يكون في معدله الطبيعي، ولكن إذا زاد عن الحد، فمن الأفضل الذهاب إلى اختصاصي نفسي، وهذا المقال في الأساس ليس غرضه العلاج، لكن غرضه التوعية، وأن تفرّق بين مستويات القلق، وتعرف أسبابه، وتتفهّم تأثيره البالغ عليك، وبعض النصائح لمحاولة السيطرة عليه.
بعد قراءة هذا المقال، هل تعتقد أنك تعاني من القلق المفرط أم لا؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

تعليقات
إرسال تعليق
شاركنا بتعليقاتك