ليس كل
التاريخ موجودًا في الكتب. هناك تاريخ آخر ظل لسنوات يعيش في ذاكرة الناس؛ في
حكايات الأجداد، وفي الأغاني التي تُردد في المناسبات، وفي تفاصيل الحرف التي
تنتقل من يد إلى أخرى، وفي العادات التي ربما لم يفكر أحد في تدوينها لأنها كانت
ببساطة جزءًا من الحياة اليومية.
من هنا
تأتي أهمية التاريخ الشفوي. فهو لا يلغي التاريخ المكتوب ولا يحاول أن يحل مكانه،
لكنه يفتح نافذة أخرى عليه. أحيانًا نجد في رواية شخص عاش حدثًا ما تفاصيل لا
نجدها في الوثائق، وأحيانًا تكشف لنا شهادة بسيطة جانبًا من الحياة لم يكن حاضرًا
في السجلات الرسمية أصلًا. ولهذا أصبح التاريخ الشفوي وسيلة مهمة لاستعادة أصوات
بقيت بعيدة عن الكتابة، خصوصًا أصوات الناس العاديين الذين عاشوا الأحداث ولم
يكونوا بالضرورة جزءًا من المؤسسات التي كتبت التاريخ
والأمر
لا يتعلق بالأحداث السياسية أو الحروب وحدها. يمكن أن نبحث بالتاريخ الشفوي عن
الموسيقى، والحرف، والأزياء، والأمثال، والأهازيج، والاحتفالات، والعادات المرتبطة
بالأعياد والمواسم، وحتى عن تفاصيل الحياة اليومية التي تبدو صغيرة في وقتها،
لكنها تصبح بعد سنوات جزءًا من ذاكرة مجتمع كامل.
لكن
تسجيل ذاكرة الناس ليس مهمة سهلة كما قد يبدو. فالذاكرة الإنسانية ليست تسجيلًا
صوتيًا محفوظًا بدقة. الإنسان ينسى، ويعيد ترتيب الأحداث، وربما يربط بين أكثر من
تجربة، وقد يتذكر حدثًا بطريقة مختلفة بعد مرور سنوات طويلة. كما أن التجربة
الشخصية والمكان والظروف التي يعيشها الإنسان تؤثر في الطريقة التي يتذكر بها
الماضي، وهذا لا يجعل الرواية الشفوية أقل قيمة، بل يجعل التعامل معها أكثر
مسؤولية.
فالمطلوب
من الموثق ليس أن يفرض على الراوي رواية "صحيحة" من وجهة نظره، ولا أن
يحاول إزالة الجانب الشخصي من شهادته. على العكس، من المهم أن تُحفظ الرواية كما
يتذكرها صاحبها، لكن مع وضعها في سياقها، ومقارنتها بشهادات أخرى ومصادر مكتوبة أو
بصرية متى توفرت. اختلاف الروايات لا يعني دائمًا أن واحدة منها كاذبة؛ فقد يكون
الاختلاف نفسه جزءًا من القصة، لأنه يكشف كيف عاش أشخاص مختلفون الحدث نفسه.
ولهذا
تحتاج مقابلة التاريخ الشفوي إلى شيء من التحضير. اختيار الشخص الذي سيُجرى معه
الحوار مهم، وكذلك طريقة طرح الأسئلة. السؤال المفتوح يمكن أن يترك للراوي مساحة
أكبر لاستعادة ذاكرته، بينما السؤال الموجّه قد يدفعه، دون قصد، إلى الإجابة بالطريقة
التي يتوقعها الباحث.
والأهم
من ذلك أن الشخص الذي يروي قصته ليس مجرد "مصدر"، بل هو شريك في عملية
التوثيق. من حقه أن يعرف لماذا تُسجل شهادته، وأين ستُحفظ، وكيف يمكن استخدامها،
وما إذا كان يرغب في نشرها كاملة أو جزء منها فقط. وهذه المسألة تصبح أكثر حساسية
عندما تتعلق الشهادة بذكريات الحرب أو النزوح أو الفقدان أو أحداث شخصية مؤلمة، في
اليمن، تأخذ كل هذه الأسئلة معنى مختلفًا.
فاليمن
ليس بلدًا يفتقر إلى التاريخ، بل ربما تكمن المشكلة في كثرة ما يحمله من تاريخ
مقابل قلة ما تم توثيقه منه. بلد بهذه المساحة من التنوع الجغرافي والاجتماعي
والثقافي يمتلك ذاكرات كثيرة؛ بعضها متشابه، وبعضها مختلف، وبعضها لا يعرفه إلا
أهل منطقة أو أسرة أو حرفة معينة.
لكن
السنوات الأخيرة جعلت هذه الذاكرة أكثر هشاشة. الحرب والنزوح وتغير ظروف الحياة لم
تهدد المباني والمواقع التاريخية وحدها، وإنما أثرت أيضًا في الممارسات التي كانت
تعيش داخل المجتمعات. عندما يغادر الحرفي قريته، أو تنقطع علاقة جيل كامل ببيئته،
أو يرحل أحد كبار السن الذي كان يحفظ عشرات الأغاني والحكايات، لا نفقد شخصًا فقط؛
نفقد معه معرفة ربما لم تُكتب في أي مكان، وهنا يصبح التوثيق نوعًا من إنقاذ
الذاكرة قبل أن تختفي.
اليمن
أرض غارقة في تاريخ غني وتقاليد نابضة بالحياة. الشعر، والموسيقى، والحرف اليدوية،
والأزياء، والرقصات الشعبية، والأهازيج، والعادات المرتبطة بالأعراس والأعياد
والمواسم، كلها تشكل أجزاء من صورة أكبر للهوية اليمنية.
والموسيقى
تحديدًا تحمل مساحة واسعة من هذه الذاكرة. فهي ليست مجرد ألحان وكلمات، بل مرتبطة
بالمكان والمناسبة والناس وطريقة الأداء. وقد أدرجت اليونسكو "أغنية
صنعاء" ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية عام 2008.
وترتبط هذه التقاليد الموسيقية بأشكال شعرية قديمة وبمناسبات اجتماعية مختلفة، كما
ارتبط أداؤها بآلات موسيقية من بينها القنبوس والصحن النحاسي.
لكن
ماذا يعني أن نوثق أغنية؟
هل
يكفي أن نسجل صوتها؟
ربما
لا.
فوراء
الأغنية تاريخ آخر يستحق أن يُروى. من كان يغنيها؟ في أي مناسبة؟ كيف تعلمها؟ ممن
أخذها؟ هل تغيرت كلماتها؟ هل كان اللحن نفسه يؤدي بالطريقة ذاتها قبل خمسين عامًا؟
من كان يصنع الآلة الموسيقية؟ وكيف كانت تنتقل المعرفة من أستاذ إلى تلميذ؟
هذه
الأسئلة هي التي تجعل التاريخ الشفوي مهمًا. لأنه يستطيع أن يحفظ ما لا تستطيع
الصورة وحدها أن تشرحه.
والأمر
نفسه ينطبق على الحرف اليدوية. عندما ننظر إلى قطعة من النسيج أو ثوب تقليدي، نرى
المنتج النهائي، لكننا لا نرى بالضرورة الساعات التي قضتها امرأة في صنعه، ولا
نعرف من علمها هذه المهارة، ولا لماذا اختارت لونًا أو زخرفة بعينها، ولا ما إذا
كانت القطعة ترتبط بمناسبة محددة، الصورة تحفظ الشكل، أما الشهادة فتحفظ الحكاية
التي وراء الشكل.
وهذا
ينطبق أيضًا على الأهازيج التي رافقت مواسم الحصاد والعمل الجماعي. قد تبدو بعض هذه
الأغاني بسيطة لمن يسمعها اليوم، لكنها تحمل في داخلها شيئًا من طبيعة الحياة التي
عاشها أصحابها؛ طريقة العمل، والعلاقات بين الناس، وروح الجماعة، وحتى طريقة
مواجهة مشقة الحياة اليومية، ومع تغير الحياة، قد تختفي هذه الممارسات أو تتغير.
وهذا أمر طبيعي إلى حد ما، فالتراث ليس شيئًا ثابتًا لا يتغير. لكنه يحتاج إلى أن
يُعرف قبل أن يتغير، وأن تُحفظ ذاكرته حتى لا يصبح التغيير انقطاعًا كاملًا عن
الأصل.
وهنا
تظهر أهمية الأرشفة:
التسجيل
الصوتي أو المرئي اليوم يمكن أن يحفظ أشياء لم يكن من الممكن حفظها بالطريقة نفسها
في الماضي. نبرة صوت الراوي، طريقته في الكلام، حركة يديه، شكل المكان، طريقة أداء
الأغنية أو الحرفة؛ كلها تفاصيل يمكن للتكنولوجيا أن تساعد في الاحتفاظ بها.
لكن
تسجيل المقابلة وحده لا يكفي. يجب أن نعرف من المتحدث، ومتى وأين أجريت المقابلة،
وما الموضوع الذي يتحدث عنه، وما الظروف التي أحاطت بها. كما يجب حفظ التسجيلات
بطريقة تضمن بقاءها وإمكانية الرجوع إليها مستقبلًا.
وربما
هنا تكمن إحدى الفرص التي توفرها التكنولوجيا لليمن اليوم. فليس من الضروري أن
تبدأ مشاريع التوثيق دائمًا من مؤسسة ضخمة أو أرشيف وطني كبير. يمكن أن يبدأ العمل
من مجموعة صغيرة من الباحثين أو الطلاب، من قرية، أو من حرفة، أو من مجموعة أغنيات
يعرفها كبار السن في منطقة معينة. ثم تتجمع هذه المواد بمرور الوقت لتشكل أرشيفًا
أكبر للذاكرة اليمنية.
لكن
هناك جانبًا آخر لا يمكن تجاهله: لمن تعود هذه الذاكرة؟
عندما
نأخذ معرفة من مجتمع وننشرها أو نستخدمها، يجب ألا ننسى الأشخاص الذين حافظوا
عليها. التوثيق لا يعني أن يصبح الباحث مالكًا للقصة، ولا أن تتحول المعرفة
الشعبية إلى مادة مفتوحة للاستخدام دون الاعتراف بأصحابها.
وهذه
المسألة مهمة جدًا عندما نتحدث عن السرقات الثقافية التي يواجهها الموروث اليمني.
فالتبادل الثقافي بين المجتمعات أمر طبيعي، والثقافات تتأثر ببعضها منذ قرون، لكن
هناك فرقًا بين التأثر والتبادل من جهة، وبين نسب موروث إلى غير أصحابه ومحو
علاقته بالمجتمع الذي حافظ عليه من جهة أخرى. هنا يمكن أن يصبح التوثيق وسيلة
لحماية الذاكرة والحقوق الثقافية في الوقت نفسه.
عندما
تكون لدينا تسجيلات قديمة، وشهادات من حَمَلة التراث، وصور ووثائق، ومعلومات عن
مكان انتشار ممارسة معينة، وأسماء الأشخاص الذين حافظوا عليها، فإننا نمتلك مادة
يمكن الرجوع إليها عند الحاجة إلى إثبات أصل هذا الموروث وتاريخه.
لكن
حماية التراث لا يجب أن تتحول إلى محاولة لتجميده. فالمجتمعات تتغير، والفنون
تتطور، والأجيال الجديدة تعيد تقديم ما ورثته بطريقة مختلفة. المشكلة ليست في أن
يتغير التراث، وإنما في أن نفقد ذاكرة بدايته. ربما لهذا السبب نحتاج إلى أن نرى
التوثيق بوصفه بداية، وليس نهاية.
فحين
يعرف شاب تاريخ آلة موسيقية قديمة، قد يجد فيها مصدر إلهام لموسيقى جديدة. وحين
تتعرف مصممة على تاريخ تطريز تقليدي، يمكن أن تعيد استخدامه في تصميم معاصر. وحين
يتعرف طفل على حكاية أو لعبة شعبية كانت جزءًا من طفولة أجداده، يصبح الماضي
بالنسبة إليه شيئًا حيًا، وليس مجرد صورة في كتاب، ومن هنا يمكن للتراث أن يتحول
من ذاكرة مهددة إلى مساحة للإبداع.
اليمن
اليوم بحاجة إلى هذا النوع من العمل أكثر من أي وقت مضى. ليس لأن اليمن يفتقر إلى
التراث، بل لأن جزءًا من هذا التراث أصبح مهددًا بأن يختفي بصمت. هناك أشخاص
يحملون في ذاكرتهم معلومات قد لا يعرفون حتى قيمتها، لأنهم عاشوا معها طوال حياتهم
واعتبروها أمرًا طبيعيًا. لكن ما هو طبيعي بالنسبة لجيل قد يصبح نادرًا بالنسبة
إلى الجيل الذي يليه.
وهذا
ما يجعل مسؤولية التوثيق مشتركة. المؤسسات الثقافية والجامعات والباحثون يستطيعون
توفير المعرفة والمنهجية، والمجتمعات المحلية تستطيع تقديم ما لا يمكن العثور عليه
في الكتب، أما الجيل الجديد فيستطيع أن يكون حلقة الوصل بين هذه الذاكرة والتقنيات
التي تتيح حفظها ونشرها، ولعلنا بحاجة أيضًا إلى تغيير نظرتنا إلى التوثيق نفسه.
فليس الهدف أن نجمع أكبر عدد ممكن من التسجيلات والصور، وإنما أن نفهم ما الذي
نحاول إنقاذه ولماذا. أن نسأل عن الإنسان قبل المادة، وعن القصة قبل القطعة، وعن
المعنى قبل الشكل.
فالتراث
ليس ثوبًا معلقًا على جدار، ولا آلة موسيقية موضوعة في متحف، ولا أغنية مسجلة على
ملف صوتي. وراء كل ذلك إنسان ومجتمع وذاكرة وتجربة.
ولهذا
فإن فقدان التراث لا يعني خسارة الماضي وحده. إنه يعني أن الأجيال القادمة قد تفقد
جزءًا من قدرتها على فهم نفسها.
مشوار
التعافي في اليمن طويل، ولا يمكن للثقافة وحدها أن تعالج كل ما خلفته سنوات الحرب
والنزاع. لكنها تستطيع أن تمنح الناس شيئًا من الإحساس بالاستمرارية؛ أن تقول لهم
إن ما حدث لم يمحُ كل شيء، وإن هناك ذاكرة ما زالت موجودة، وأصواتًا ما زالت قادرة
على رواية ما تبقى.
التاريخ
الشفوي، في النهاية، ليس مجرد منهج لجمع الشهادات. بالنسبة إلى اليمن، يمكن أن
يكون فعلًا من أفعال حماية الذاكرة.
كل
كبير في السن يحمل حكاية، وكل حرفي يحمل معرفة، وكل موسيقي يحمل لحنًا، وكل امرأة
تحفظ تفاصيل زي أو أغنية أو عادة، يمكن أن يكون جزءًا من أرشيف لم يُكتب بعد.
وربما
السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس فقط: ماذا بقي من تراثنا؟
بل: كم
من ذاكرتنا ما زالت تنتظر من يسمعها؟
فكل
شهادة تُسجل اليوم قد تصبح غدًا وثيقة لا يمكن تعويضها، وكل أغنية أو حرفة أو
حكاية نحفظها قد تكون خيطًا يصل جيلًا بجيل. وإذا كانت الحرب قد حاولت أن تمزق
الكثير من خيوط الذاكرة اليمنية، فإن التوثيق يمكن أن يكون إحدى الطرق التي نعيد
بها نسجها من جديد.
تعليقات
إرسال تعليق
شاركنا بتعليقاتك